رحلة روائية في رأس القذافي

أحد, 11/01/2015 - 10:19

في الوقت الذي تحيا ليبيا فوضى أهّلت هذا البلد الواقع عربياً بين تونس ومصر، إلى أن يصبح أهمّ مخزن سلاح يمكن وصفه بأنه من بين الأهم في العالم إذا علمنا أن القذافي لم يكن يدخر المال النفطي أو يبخل به لشراء أحدث الأسلحة، وأكثرها تطوّراً دفاعاً عن نفسه، ليموت، في الختام، بأكثر الأسلحة تخلفا، وفي ظروف عالية الانحطاط.

وفي الوقت الذي كانت فيه مدينة "سيرت" عرين "الأخ القائد" معمر القذافي، ومركز نفوذه القبلي، صارت اليوم سيرت عاصمة لداعش وأخواتها لإنتاج حرب الخلافة في تونس والجزائر.
في هذا الوقت، صارت ليبيا بلداً بلا وجه بين بلدان العالم، ولا أحد من المؤمنين أو الكفار يزورها، إلا وهو ضامن أن يجد بندقية، ولا يجد رغيف خبز، ومتأكّد من وقوعه بين مخالب العصابات إذا دخلها غير مسنود من عصابة مسلحة أو مدرّعة.

وفي مثل هذا الوقت، تصدر في باريس رواية باللغة الفرنسية لكاتب جزائري موضوعها استذكار معمّر لحياته منذ وعيه الطفولي إلى غاية اللحظات الأخيرة من حياة معمر القذافي التي عاشها مطارداً، باحثاً عن الأمن، وجاءت الرواية على لسان المتكلم المفرد الأعزل الذي هو معمّر نفسه: "أنا معمر القذافي"، وأما عنوان الرواية فهو: ليلة الريّس الأخيرة .

2
قبل صدور رواية "la dernière nuit du raïs" ليلة الريّس الأخيرة، عن دار نشر جوليار الكبيرة في 20 أغسطس (آب) 2015، كان كاتبها الروائي الجزائري (ذو اللسان الفرنسي محمد مولسهول، وكنيته وشهرته هو اسم زوجته) "ياسمينة خضراء" يظهر باستمرار، وبشكل مكثّف، وعبر خطّة دعاية محكمة الخيوط، تتناوب على نسجها أطباق قنوات التلفزيونات، ووسائل الإعلام، ومعارض الكتاب الفرنسية، والألمانية، والأوروبية والأمريكية .
وليس بناء الرواية مهمّاً، هنا، وكأنّها باعتبارها عمل إبداعي خارق للمألوف، ففي كل الحوارات المجراة مع كاتبها الأشهر عربياً، والأكثر مبيعاً ومقروئية (4 ملايين قارئ في فرنسا وحدها)، ثمة أمر لافت هو أن اغلب الأسئلة الموجهة للكاتب، تركّز على هذا المسمّى "الربيع العربي" ومستقبله، والكاتب لا يرى في هذه البلدان ثورة، بل انتفاضة بلا قيادة توجّهها نحو أهداف معينة.
وكان الإعلام الغربي يسأل هذا الجزائري عن وضع الجزائر، والحكم ومستقبله في الجزائر، واحتمالات الثورة في بلاده، والكاتب عارف بالمقاصد من الأسئلة، حين كانوا يسألونه عن بلاده، ودور الجيش، وتونس، وليبيا، طبعاً، وطبعاً، بمناسبة كتابه الذي كان منطلقه اللحظات الأخيرة التي عاشها معمر القذافي .

ولا سؤال في فرنسا، ولا في اي حوار أوروبي، عن تمويل معمر القذافي لحملة ساركوزي الرئاسية الفرنسية، فهذه أسئلة غير ذات بال في قضية الحال كما يقال.

3
" حين كنت طفلاً .. "
هكذا يبدأ الفصل الأول من الرواية، وهكذا يرمي الكاتب القارئ في مناخ ينتقل فيه الكاتب من مصاحبة الرّاوي من طفولة الصحراء الشعرية الى كهولة متأخرة في طريق الهروب من الاغتيال، وينتقل من حديث الخال عن القمر، إلى ساعات الطفل الذي صار شيخاً وتطارده الأقمار الصناعية، بهدف الاغتيال.

ويتسلسل السرد مستدرجاً طفولة معمر البعيدة قبل أكثر من 63 عاماً، عندما كان يصطحبه خاله إلى الصحراء، فهذا الخال يحب الصحراء والشعر والسهر لتأمل النجوم .

وخال القذافي، كما يصفه الكاتب، يؤمن بعلاقة الإنسان بالنجوم، ويعتقد أن كل رجل مصيره معقود بنجم أو كوكب مخصوص .

موضوع ارتباط كل رجل بنجم مخصوص سوف بثير فضول معمر طفل السادسة ليسأل خاله عن النجم الخاص به، فيشير الخال، ببساطة إلى: القمر،
سوف يقع القمر في قلب الطفل، هذا الاختيار المضيء في نفس الطفل موقعاً حسناً حتى أنه، منذ ذلك الوقت، صار يرى الهلال قمراً كاملاً، وهذه الصورة السينمائية الشاعرية هي التي سوف تصنع صورة غلاف الرواية في الطبعة الفرنسية.

4
حياة معمر القذافي وموته ملحمة تراجيدية كوميدية طويلة استمرت أزيد من أربعين عاماً توزعت بين قرنيْن وألفيّتين، وكانت فصول هذه الملحمة ناشزة، ومملة، وضاحكة، وثائرة، وحزينة، وكان العقيد شخصية تتحرك في جدلية الطمأنينة والخوف وطنياً على مستوى ليبيا، وقومياً على مستوى الوطن العربي، وعالمياً على مستوى أوروبا وأمريكا والعالم أجمع .

لقد سعى إلى ترسيخ مجموعة من المثل والقيم التي رسمت طريقته في التفكير المفاجئ، والقرارات التي لها طابع الفَزْعَة، والخطب التي تبدو مملّة، ولكن الناس، وكل العالم مضطرون لسماع هذا البدوي الذي يملك آباراً من البترول وصحراء مليئة بالمفاجآت المعدنية، والأفكار والغبار، ولساناً لا يدري السامع إليه ما هي الأفكار التي سوف تصدر عنه، وكانت نهاية الرجل أكثر من قاسية، وهي تحمل قبساً مستوحى من تعاليم "الأخ قائد الثورة. وملك ملوك ورؤساء افريقيا، وزعيم ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى".

5
لم تكن نهاية القذافي مشتهاة في رأي أعدائه، ولدى قطاع واسع من الرأي العام العالمي، فطريقة القتل وتفاصيله دلّت على أن القَتْلَةَ القاسيةَ كانت تنكيلاً همجياً تجاوز كل حدود الحيوان وشرائع الإنسان .

وصوِّرتْ لحظة القتل هذه بالهواتف الذكية والكاميرات الهاوية، ورآها العالم، ففجّرت الكثير من الخيالات التي عجزت عنها آلات التصوير، وشاءت الألسنة والأخيلة والأفئدة أن تتشوّف إلى ما دار في رأس العقيد، وأن تتصوّر، وأن تتصوّف في تلك اللحظات أو الساعات التي سبقت لحظة القبض عليه، فالقتل، فالتنكيل.

6
سيتدافع كثيرون على "الأخ القائد" كما يحبُّ أن ينادى عليه
وسيسعى الذين عرفوه عن بعد، أو عن قرب، من أجل تدوين المشاعر والحسابات والأحاسيس التي كانت تتحرّك في شخصية العقيد ووجدانه .
وكان لا بد لمعمر القذافي البدوي الصحراوي الليبي العربي العسكري الذي يحب الشعر والكتابة والفروسية، والذي شغل العالم، وأضحكه، وآثاره، بطريقة أو بأخرى، أن يجد مدوّياً روائيّاً بامتياز في (ياسمينة خضراء) بدويّاً آخر، جزائريّاً عربياً كان يحلم أن يكون شاعراً، عاشقاً للكلمات ذات الأجراس، وعسكرياً، وهائماً بمناخات الصحراء والفروسية.

7
لم تطبع الرواية في فرنسا وحدها، بل في أكثر من 10 بلدان أخرى، وهذا يدل على أن ياسمينة خضراء كاتب جزائري ذو حجم عالمي، وهو يترجم إلى 36 لغة، ويتوّج بالجوائز، ويكتب المقالات، وسيناريوهات الأفلام، وها هو، ولكن الأهم، هنا، في روايته عن ساعات القذافي الأخيرة، يقدّمه، بشكل يجعل القارئ متعاطفاً مع الإنساني في شخصية القذافي القلقة والحالمة، ويجعل هذا القارئ متناسياً حتى تلك الجرائم الإنسانية التي قام بها القذافي في فترة الحكم، فالرواية منحصرة في ساعات محددة لبطل يواجه الموت المحتوم.

8
أسئلة كثيرة يثيرها احتفال وسائل الإعلام الغربي بهذا الكاتب الجزائري، وبهذا الكتاب، وموضوعه القذافي، فهل يندرج الاهتمام بما يصادف هوى في نفوس الراي العام الغربي الذي بدا، وكأن قادته يريدون تمثيل دور في مسرحية الضمير ومحاسبة الذات والتعبير عن الندم الذي باتت تثيره تصريحات القادة الغربيين السابقين المعبّرين عن سوء التقدير وعمى البصيرة بعد الخراب المنهجي الذي أنجزوه وظهور الإسلام السياسي في بلدان لم يعد الغرب قادراً على المسك فيها بزمام الأمور.