لا تستهينوا بمظاهرات القدس / محمد كريشان

أربعاء, 12/13/2017 - 15:06
محمد كريشان

تستمر المظاهرات في عدد من العواصم العربية والإسلامية أو تتوقف، تتصاعد أو تتراجع، لم تعد هذه هي القضية. هناك شيء ما يجب التوقف عنده بخصوص ما حرك هذه الجماهير تنديدا بالرئيس ترامب وقراره الخاص باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل وما الذي يمكن أن يعنيه خروجها الغاضب بهذه الأعداد الضخمة.
أكثر من ذلك، فحتى لو تقهقرت هذه الهبة مع الأيام وخبت، أو ظلت تراوح مكانها فاترة، بل وحتى لو توقفت تماما بعد أيام قليلة فإن الكثير من الدلالات يجب استخلاصها وقد تكون أخطر من دلالات استمرارها وتصاعدها. كيف ذلك؟؟
كثير منا يردد سرا أو علانية، وبعضهم يتمنى فعلا، أن يغلق قوس هذه الاحتجاجات سريعا. يقولها البعض رغبة فيما أقوى، والبعض الآخر يأسا أو إحباطا، فيما لا يتمنى ذلك إلا من أحرجته تلك المسيرات والمظاهرات أمام شعبه أو زادت في تعرية عجزه أو حتى تواطئه.
عندما خرج كل هؤلاء الناس إلى الشوارع تنديدا بما أقدم عليه ترامب بكل استخفاف بمن تعنيهم القدس ماضيا وحاضرا، سياسة وثقافة، دينا وقومية، مسلمين ومسيحيين، سواء في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو في مختلف المدن العربية والاسلامية والأوروبية وحتى الأمريكية، لم يضعوا في اعتبارهم بالتأكيد حسابات الربح والخسارة في تحركات كهذه، أو هم بحثوا أو تدارسوا درجة النجاعة في القيام بها. لقد فعلوا ذلك بكل عفوية وغيرة.
«لم نر هذه المظاهرات الغاضبة بمثل هذا العنفوان منذ أيام الثورة على بن علي قبل سبع سنوات»… هكذا قالت لي إحدى التونسيات ولا يستبعد أن تكون هناك انطباعات محلية متشابهة في مدن عربية عديدة، بل إن بعض هذه المظاهرات خرج في دول ومدن لها من الهموم والآلام ما كان يفترض أن يعيقها عن التفكير في القدس والقضية الفلسطينية كلها، مثل اليمن أو العراق ومع ذلك خرجوا لا يلوون على شيء.
إذا انفضت هذه التحركات الاحتجاجية لأي سبب كان دون أن يشهد مئات الآلاف هؤلاء أن غضبتهم هذه أتت أكلها بدرجة أو بأخرى، إن لم يكن مع الإدارة الأمريكية فعلى الأقل مع قادتهم هم في تعاملهم مع هذه الإدارة، فهذا يعني ترسيخا لقناعة خطيرة على المدى القريب والبعيد مفادها أن وسائل التعبير السلمي الشعبي والمدني لا فائدة ترجى منها ولا بد من البحث عن غيرها. صحيح أنه ليس بالضرورة أن تؤدي كل المظاهرات إلى نتائج واضحة وسريعة ولكن التاريخ المرير للشعوب العربية بالتحديد في الاستخفاف بنزولهم إلى الشارع لإسماع صوتهم سيدفع بنا جميعا إلى مآلات لا تسر.
لن نتحدث هنا عن أن تتخلى واشنطن عن قرارها فهي لم تتعود عن ذلك، وما الداعي له أصلا مع ما تراه وتعرفه، ولكن إذا لم تؤد هذه المظاهرات إلى أن تراجع القيادة الفلسطينية مجمل سياساتها العقيمة والفاشلة في التعامل مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وإذا لم تؤد كذلك إلى أن تراجع القيادات العربية المختلفة، لا سيما تلك التي تتحدث عن علاقات استراتيجية وتاريخية تربطها بواشنطن في منطقة الخليج وغيرها، طبيعة علاقاتها هي الأخرى مع واشنطن التي لم تقم لهم وزنا ولا رعت لهم مكانة، فإننا سائرون بخطى حثيثة فعلا إلى هذه المآلات التي لا تسر.
إجهاض هذه المظاهرات وإظهار القائمين بها على أنهم مجموعة من السذج العاطفيين الذين لن يقدموا أو يأخروا في مجريات الأمور شيئا، على عكس من يخرج إلى الشوارع في البلدان التي تقيم وزنا لرأيها العام، لا يمكن أن يقود في النهاية إلا إلى «دعوشة» تدريجية وتصاعدية لقطاعات من الجمهور قد تصل إلى قناعة بأن لا فائدة ترجى من أي تحركات سلمية وأن لا شيء يسمع صداه ويحدث أثرا سوى العنف الوحشي. هذا هو المقصود بـــ «الدعوشة»، أي الإيمان الأعمى بالعنف الدموي مهما كانت أشكاله طالما أن لغة «التحضر» والاحتكام إلى «المجتمع الدولي» ومؤسساته القانونية وقراراته لا معنى لها ولا مكانة. وطبعا ضمن هذا السياق ستكون حركات الإرهاب الأعمى المنفلت من كل عقال هي الأقدر على استقطاب الناس، إن لم يكم مقاتلين في صفوفها بالمعنى الحرفي فبالإيمان بفكرها ومنطقها وهذا هو الأخطر.
لقد نجح ترامب بقراره الذي صاحبته لغة جسد متعجرفة وتوقيع فلكلوري متغطرس ومزدر لكل الفلسطينيين والعرب والمسلمين في تقديم أكبر خدمة لكل فكر إرهابي متطرف. كتب الصحافي الإسرائيلي أليكس فيشمان في «يديعوت أحرنوت» قبل أيام أن «الإدارة الأمريكية لم تبق لعباس أي خيار غير السماح للشارع بالحديث» والحقيقة أن هذا ينطبق على عباس وعلى غيره ولكن ماذا عسانا نكون قد تركنا إذا لم نستمع حتى لهذا الشارع الغاضب؟!! الجواب مخيف.

٭ كاتب وإعلامي تونسي