سيزيف الموريتاني

أربعاء, 03/11/2026 - 14:54

دخلت هذا العالم فجر التاسع عشر من سبتمبر 1958، في ملتقى (آوكار – أمشتيل – أكان) في منطقة تماس بين الركاب والكتاب ..بين الامامة والامارة مع بعض ملامح سيبة المنكب البرزخي .. كان ذلك .. قبل أن تستقرّ البلاد في اسمها، وقبل أن أستقر أنا في صورتي.
كانت موريتانيا آنذاك تخرج ببطء من ظلّ فرنسا، تبحث عن تعريفٍ لنفسها بين خرائطٍ لم ترسمها بيدها.
وكنتُ أنا أخرج من رحم البادية، حيث كانت مجابات الانتجاع لا تعترف بأية حدود، وكانت سرديات القبيلة أرسخ من الدستور، وكانت الكلمة المروية أقوى من الوثيقة المختومة...
نشأتُ على تخوم عالمين:
عالمٍ يزن الإنسان بنسبه وانتمائه الاجتماعي،
وعالمٍ يزنه برقمه الإداري.
لم يكن الانشطار عارضًا في حياتي؛ كان بنيةً داخلية.
كنتُ أشعر – وأنا طفل – أنني أنتمي كامل الانتماء لعالمي الضيق بكل ثوابته ومتغيراته ..مع مرور الزمن اكتشفت أن الانتماء نفسه سؤال مركب.
ـ كانت تنشئتي متعددة المنابع فعمتي تقرئني القران و تعلمني أركان الإسلام؛ وجدتي تروي لي كل مساء صورا ملحمية من التغريبة الهلالية في لبوسها المحلي...
في البادية حيث ترعرعت، كان الزمن دائريًا، يعود مع الفصول، ويتجدد مع المطر.
وفي المدينة التي كانت وجهتي بعد جفاف سبعينيات القرن العشرين، كان الزمن خطيًا، تصنعه القرارات وتضبط إيقاعه المراسيم ونشرات الاخبار...
كبرتُ وأنا أتنقل بين لغتين:
لغةٍ مُفرنسة خلتها تفتح نوافذ على العالم،
ولغةٍ عربية تشدّني إلى جذري الأول وترسم معالم هويتي الغائرة في رمال ارضنا الموارة..
كنتُ أكتب فأسمع في الجملة صدى مزدوجًا، كأن الكلمات نفسها تعيش انشطارها.
لم أكن أنتمي بالكامل إلى واحدة، ولم أستطع خيانة الأخرى.
هكذا تعلّمتُ مبكرًا أن الهوية ليست بيتًا من غرفة واحدة، بل هي ممرّ طويل بأبوابٍ كثيرة.
تعلمت تعليما نظاميا مشفعا بتعليم محظري خلال العطل.
ثم جاءت الصحافة.
ظننتُ أنني وجدتُ أخيرًا فضاءً يتّسع لانشطاري.
فالصحفي يقف بطبيعته بين السلطة والمجتمع، بين الخبر وتأويله، بين الوقائع وأسئلتها المؤجلة.
لكنني اكتشفتُ أن مجتمعي لا يزال ابن المشافهة، وأنا أبحث عن مؤسسيةٍ، وعن معيارية، وعن مساءلة.
كنتُ أزرع في تربةٍ تتوجس من البذور الجديدة وتعتبر ذلك صيانة لأصالة لم تكن معالمها واضحة.
وحين دخلتُ الدولة موظفًا سنة 1986، ظننتُ أنني غادرتُ الحافة إلى المركز.
لكن المركز نفسه كان حافةً أخرى.
عملتُ تحت إمرة تسعة عشر وزيرًا.
تسعة عشر تعريفًا للسلطة.
تسعة عشر إيقاعًا للقرار.
وفي كل مرة كنتُ أتعلم لغةً جديدة للولاء، وأعيد تحوير قناعتي بما يسمح لي بالبقاء دون أن أفقد نفسي تمامًا.
سبعة أشهرٍ في كل محطةٍ كانت تُستهلك في التكيّف مع كل وزير.
كنتُ أبدأ من جديد، كما لو أنني أدفع صخرةً إلى قمة جبل، ثم أراها تعود إلى السفح مع أول تعديل وزاري.
هناك، تذكّرتُ سيزيف وإنسانه الذي يعرف عبث المهمة، ومع ذلك يواصل الدفع.
لكنني لم أرَ في صخرتي عبثًا خالصًا.
كنتُ أرى فيها امتحانًا للصبر، وتدريبًا على المعنى.
فالبدوي يعرف أن الطريق الطويل لا يُختصر،
والموظف يعرف أن الدولة – مثل الصحراء – لا تستجيب للعجلة..وعملها كما وصفه احد موظفي جيل التاسيس لايفسدكله ولايصلح كله ولا ينتهي...
ثم جاء التقاعد.
وهمستُ لنفسي: أخيرا ها هي القمة.
لكن القمم – كما تعلّمت – ليست نهاية الجبل، بل بدايته من زاوية أخرى.
تحررتُ من المنصب، ولم أتحرر من السؤال.
من أكون حين تُسحب مني الصفة؟
هل أنا ما كتبتُه؟ أم ما فعلتُه؟ أم ما حلمتُ به ولم يتحقق؟
في تلك العتبة، أدركتُ أن حياتي لم تكن سلسلة تناقضات بقدر ما كانت تدريبًا على العيش في المسافة بين الأشياء.
القبيلة لم تكن نقيض الدولة، بل جذعها الأول.
واللغة الأجنبية لم تكن خصم العربية، بل مرآتها الأخرى.
والوظيفة لم تكن قيدًا خالصًا، بل مدرسةً في الصبر.
أنا لم أكن ممزقًا؛
كنتُ مركّبًا.
ربما كان قدري أن أكون جسرًا أكثر مني ضفة.
والجسر يتعب، نعم،
لكنه يمنح الآخرين عبورهم.
اليوم، حين أنظر إلى صخرتي، لا أراها عقابًا إغريقيًا، بل أراها معلمة وجودية ..
كل دفعةٍ منها تركت في داخلي طبقةً من الفهم.
كل سقوطٍ علّمني أن القمة ليست موضعًا جغرافيًا، بل موقفًا داخليًا.
لم أعد أبحث عن انسجامٍ كامل؛
فالانسجام المطلق سكون،
والسكون موتٌ بطيء.
أبحث عن توازنٍ متحرك،
عن قدرةٍ على حمل التناقض دون أن أنهار،
عن أملٍ لا يولد من السذاجة، بل من المعرفة الدقيقة بثقل الصخرة...
إن كنتُ سيزيف الموريتاني،
فإنني لا أدفع صخرتي إلى جبلٍ صامت،
بل إلى أفقٍ أعرف أنه سيتراجع كلما اقتربتُ منه.
ومع ذلك…
أدفع.
لأن الدفع نفسه موقف.
ولأن المحاولة، حين تُكرر بوعي، تتحول إلى شكلٍ من أشكال الحرية.
ولأن الإنسان – مهما أثقله الرمل والحتميات والتاريخ – يظل قادرًا على أن يقول:
لم أُهزم ما دمتُ أواصل.
قد لا أبلغ القمة،
لكنني، في كل صعود، أرتفع قليلًا فوق خوفي.
وهذا يكفيني.

***

ها أنا أبلغُ حافةَ الحافات، حيث تتلاشى المسافات بين البدء والمنتهى،
فأكتشف أن الرحلة لم تكن صراعًا مع صخرة، بل مصالحةً مع نفسي.
كان الجبلُ امتحانًا، وكان العناءُ تربيةً، وكان الصعودُ كشفًا طبقةً بعد طبقة.
وحين انكسرتُ بما يكفي لأفهم، انفتح في قلبي بابُ الطمأنينة،
وتردّد في أعماقي صدى حكمة  (دروب السالكين)القائلة بأن الضيقَ لا يدوم، وبأن الرجاء أقوى من الظرف.
لم أعد أطلبُ قمةً ألوّحُ منها بانتصار،
بل صرتُ أطلبُ إيمانا أثبتَ من الجبل.
فإن كان الطريقُ طويلًا، فلله الأمر من قبل ومن بعد،
وإن كان الحملُ ثقيلًا، فالعنايةُ الالهية أثبتُ من كلِّ ثقل.
وهكذا أمضي…
لأن السيرَ إليه وصول،
ولأن من امتلأ قلبه بالايمان بالله صار الجبلُ في عينه طريقًا لا حاجزًا.

***

هنا في كلكل..حافة تقاطع النهايات والبدايات... أيقنت أن الوجود هو استمرار وفعل لما بعد الوجود  الذي أخاله الوجود الابدي...ان كان من شيء ازفه لمن مازالوا في بداية المشوار الوجودي فهو جرعة امل .. قد  تختلف السياقات ولكل منا ان يختار طريقه مسيرا ومخيرا؛ وحافة مابين الخيارين تتيح لنا ان نكون مميزين في ملحمتنا الوجودية... وللموضوع بقية.