الشباك الموحد والإدارة الجبائية في موريتانيا: بين الطموح المعلن عنه والانزلاقات التي تبعث على القلق

أربعاء, 06/17/2026 - 12:52

بعد سياق تاريخي أوشكت   فيه موريتانيا أن تعززجاذبيتها اقتصاديا وأن تحسن مناخ الأعمال، جاءت بعض الممارسات الإدارية التي لوحظت ميدانيا لتتعارض،لسوء الحظ، مع الأهداف المعلنة من طرف السلطات العمومية. وهناك إدارتان تتصدران ديناميكية الاستثمار والمصداقية المؤسسية للبلاد تثيران اليوم قلقا بالغا وهما الشباك الموحد لتأسيس الشركات وبعض المصالح التابعة للإدارة العامة للضرائب.

الشباك الموحد من أداة لتبسيط الإجراءات إلى عامل لتعقيدها

كان الشباك الموحد يمثل إصلاحا بالغ الأهمية حيثاقتبس من أفضل التجارب العالمية. وكان هدفه واضحا وهو أن يجمع تحت سقف واحد كافة الإجراءات الإدارية اللازمة لتأسيس الشركات وتبسيط الإجراءات الإدارية والحد من الآجال وإتاحة الفرصة أمام المستثمر لمقابلة مخاطب واحد ينوب عن كل الإدارات. وكانت هذه المنظومة تمثل إدارة عصرية منسقة وفعالة و في عام 2018، جاءت النتائج واعدة إلى حد بعيد: إذ بإمكان المستثمر أن يقوم بجميع الإجراءات في ظرف 72 ساعة كحد أقصى مع وجود مؤشر بتخفيض هذا الأجل إلى 48 ساعة أو حتى إلى 24 ساعة.

أما اليوم فإن الواقع مختلف تماما.

لقد أصبحت آجال تأسيس مشروع تعد بالأسابيع أو أكثر وتحولت المسطرة التي كان الجميع يتباشرون بسرعتها إلى مجموعة لا متناهية من العقبات مع ملاحظةاختلالات رئيسية منها:

- غياب متكرر لممثلي الإدارات المعنية وخاصة موظفي المحكمة التجارية والمصالح الجبائية خلال ساعات العمل؛

- بعد غير عادي لأماكن معالجة النصوص التي أحيلت من طرف الشباك الموحد إلى إدارات مركزية بما يخالف عن المبدأ الأساسي المتبع من طرف الشباك الموحد؛

- تزايد العقبات الإدارية كمصادر للتأخير وللشكوك والتكاليف الباهظة التي يتحملها المستثمرون.

إن هذا التباين بين المفهوم الأصلي والممارسة الحالية يفرغ الشباك الموحد من مغزاه ويلحق الضرر بمصداقية الإصلاحات المقام بها.

الإدارة العامة للضرائب: ممارسات منافية للقانون

مما يزيد القلق وجود بعض الممارسات الملاحظة على مستوى المصالح الجبائية بالنسبة للمقاولات الصغيرة وخاصة في مجال الضريبة على الرواتب والأجور والضريبة على أرباح الأشخاص الماديين.

الضريبة على الأجور والرواتب: ضريبة جزافية تتعارض مع نص القانون

نصت المدونة العامة للضرائب وخاصة في مادتها رقم 110 على أن الخضوع لضريبة الأجور يرتبط بوجود دخل شهري يساوي أو يزيد عن 6 آلاف أوقية جديدة. وفي الواقع المعاش، فإن المشاريع الصغرى (مكتب للفرد يديره شخص واحد، شركة ذات مسؤولية محدودة، مكتب ...) تضطر للتصريح ودفع مبلغ جزافي شهري (في السابق 300 أوقية جديدة وارتفع الآن حسب ما يبدو إلى 1000 أوقية جديدة) حتى وإن كانت الظروف القانونية لفرض الضريبة غير مجتمعة.

والعامل الأخطر من ذلك هو أنه إذا كانت الهياكل تحتج بالترتيبات القانونية لتبرير أوضاعها وخاصة في مراحل الانطلاق حيث تكون مصادر الدخل شحيحة أو معدومة، فإنها تجد نفسها أمام تعليمات من المدير العام للضرائب الذي يدعو المصالح إلى العمل بهذه الممارسات خارج الإطار القانوني.

إن مثل هذه الوضعية يطرح مشاكل جمة: هل يمكن الاحتجاج بتعليمات إدارية داخلية لمواجهة القانون؟

بحسب القانون، فإن الجواب لا لبس فيه: الهرم الإداري لا يمكنه بأي حال من الأحوال الخروج على القانون الجبائي إلا إذا كان يعمل على تعديل رسمي لإطار قانون المالية:

- الضريبة على أرباح الأشخاص الماديين: جباية حتى في غياب نشاط.

إن نفس الواقع ينطبق على ضريبة الأرباح التي يكسبهاأشخاص ماديون. فهذه الهياكل تخضع لضريبة جزافية سنوية حتى في غياب كامل لأي نشاط أو لرقم أعمال.

وتتعارض هذه الحالة بصراحة مع المادة 77 من المدونة العامة للضرائب التي تؤسس فرض الضرائب على وجود أرباح تحققت من الناحية الفعلية.

ففرض الضريبة على دافعيها دون أساس ضريبي يعني في الواقع العمل برسوم جائرة تتعارض مع المبادئ الأساسية لقانون الضرائب و ومع القدرة على الوفاء بالضريبة.

✓ عواقب وخيمة بالنسبة للاقتصاد ولدولة القانون.

إن هذه الانزلاقات تترتب عليها آثار بالغة فهي تؤدي إلى:

- إحباط المستثمرين الوطنيين والأجانب على حد السواء؛

- تدهور مناخ الأعمال بما يتعارض مع الالتزامات الدولية للبلد؛

- تنامي القطاع غير المصنف حيث يفضل المستثمرون تفادي نظام يعتبرونه جائرا وغير قابل للتوقع ولا يحترم القانون؛

- مساس بمصداقية الإدارة وبشكل عام بدولة القانون.

وعلى المدى البعيد تؤدي هذه الممارسات إلى عكس ما كان متوقعا: فبدل توسيع الوعاء الضريبي وتشجيع النشاط الاقتصادي فهي تساهم في تقليص الاستثمار وانعدام الثقة.

✓ من أجل وثبة نوعية لابد منها

أمام هذه الوضعية يبدو من اللازم الشروع في اتخاذ إجراءات تصحيحية قوية وسريعة:

1. إعادة تفعيل الشباك الموحد عن طريق ضمان التواجدالفعلي لممثلي جميع المصالح المعنية خلال ساعات العمل وضمان المعالجة الكاملة للملفات على الفور؛

2. وضع حد نهائي للممارسات الضريبية المنافية للقانون والتذكير بالمبدأ الأساسي المتعلق بتساوي الضريبة؛

3. تأطير صارم لتعليمات الإدارة لتتطابق مع النصوص المعمول بها؛

4. العمل عند الضرورة بإصلاحات جبائية رسمية في إطار قانون المالية للمواءمة بين النظام وبين الواقع الاقتصادي دون المساس بحقوق دافعي الضرائب.

من حيث الأساس، يجب التأكيد من جديد على مبدأ رئيسي: الإدارة في خدمة المواطن ويجب أن تتصرف في ظل الاحترام الصارم للقانون.

الخلاصة

إن موريتانيا تتوفر على مقومات لا حصر لها من أجل جذب الاستثمار والإسراع بوتيرة التنمية. غير أن هذه التطلعات لا يمكن أن تتحقق بدون إدارة فعالة تكون قراراتها قابلة للتوقع وتحترم القانون. ويجب أن يتسمالشباك الموحد وإدارة الضريبة، وهما وجهتان للتخاطب ما بين الدولة والمستثمرين بالمثالية. وذلك ما يخدم سمعة البلاد والثقة المطلوبة لأي ديناميكية اقتصادية قابلة للاستمرار وعليه فإن مثل هذه الوثبة مرغوب بل هو ضروري الآن ودون تأخير.

بقلم: بن عبد الله