سائح بالفطرة..!!

سبت, 09/12/2026 - 09:43

كان صباح السادس من سبتمبر 2026 صباحًا ماطرًا شمال بتلميت.
وللمطر نكهة خاصة في كثبان أوكار؛ فالرمال الشقراء، التي زخرف تباينُ اتجاهات الرياح ملامحَها الخارجية، وحوّلها إلى لوحة لامتناهية تعانق الأفق من كل الاتجاهات، بدت حالمةً، كما لو كانت تحتسي زخات المطر بنهمٍ وجوديّ مضياف، يجعلك جزءًا من المشهد لا مجرد متفرج عليه.
كان النسيم العليل يغمرك من كل الجهات، وخيوط الشمس تتسلل عبر الشجيرات الطرية الخضراء، فيما تفتح زرقة السماء آفاقًا لا متناهية، توهمك بأن السماء تعانق الأرض وتحتضنها بلطف؛ فتزول المسافات، ويلتحم الزمان بالمكان.
يتناهى إلى مسامعك ثغاءٌ ورغاءٌ وخوار، وصوت حدّاية، وزقزقة طيور، ونغم مزمار خافت يتناغم مع سيمفونية أصوات الحياة الجميلة...
تذوب في المشهد، وتطلق العنان لجسدك المتعب ليستريح في ظل شجرة بشام صامدة عند سفح كثيب حديث التشكل. تغمض عينيك... تنظرالي الاشياء ببصيرتك العميقة.. تسترخي... تفرغ رأسك من كل شيء، وتنام للحظات لا ينهيها إلا صوت مضيفك وهو يضع أمامك «آدرس» من لبن الإبل، ثم يعود من حيث أتى.
تشرب حتى الثمالة، وتعود إلى حضن الأرض، مقتنعًا أكثر من أي وقت مضى بأنها: الماضي والحاضر والمستقبل.
وفجأة، تشعرك حدّاية  تصدح بعفوية: «أيايه... أيايه... أيايه...» بالزمن وبشركائك في هذا المكان.
تنهض متثائبًا، وتحدث نفسك بأن
 السياحة الداخلية ليست مجرد انتقال مفتعل من مكان إلى مكان؛ بل هي أحيانًا سياحة وجودية إلى ذاتك..
فالداخل ليس فقط مدنا وقري منسية نسافر اليها موسميا... الداخل بداخلك بصورة دائمة وبإمكانك أن تمارس السياحة إليه كل حين، دون صخب، ودون شعارات، ودون أن تقطع مسافات بعيدة.
يكفي أن تجلس تحت شجرة بشام، وتصغي إلى المطر...
أن تشرب من «آدرس» لبن الإبل...
أن تسمع حدّاية تنادي في فضاء أوكار...
ثم تترك للأرض أن تذكّرك بمن أنت.
— سائح بالفطرة —