
كان رجلٌ شديدُ الإعجاب بالحكماء، فقرر ذات يوم أن يصبح حكيماً، وقال لأهل قريته:
— من اليوم لن أتكلم إلا بالحكمة!
جلس في مجلس القوم، وبعد صمت طويل، سأله أحدهم:
— ما رأيك في هذا الأمر؟
فأجاب الرجل بثقة:
— لكل أمرٍ وجهان!
أُعجب القوم بحكمته، وسأله آخر:
— وهل أنت مع هذا الرأي أم ضده؟
قال:
— الأمر يتوقف على الظروف!
ازداد إعجابهم به، حتى جاءه رجل ثالث وقال:
— ولكن يا أخي، أليس لك موقف واضح؟
فكر الرجل قليلاً، ثم قال:
— نعم... موقفي واضح، لكنه يتغير حسب الظروف!
ضحك الحاضرون، فقال له أحد الشيوخ:
— يا بني، الحكمة ليست أن تجد جواباً لكل سؤال، ولا أن تجعل لكل موقف جوابين؛ الحكمة أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تقول: لا أعلم.
فاحمرّ وجه الرجل وقال:
— وهل «لا أعلم» حكمة أيضاً؟
قال الشيخ:
— بل هي أحياناً أول الحكمة وآخرها!
فليس العاقل من يتظاهر بأنه يعرف كل شيء، وإنما العاقل من يعرف حدود معرفته؛ فـالاعتراف بعدم المعرفة فضيلة، والتواضع أمام الحقيقة بداية الحكمة.



.gif)