كلمة الدكتور الشيخ المختار ولد حرمه ولد ببانا في ندوة تنبيعلي

أحد, 09/13/2015 - 13:07

المنظمة بقرية تمبيعلي يومي 5  و6 سبتمبر  2015 تحت عنوان: "المقاومة والتحرير الوطني...الزعيم أحمدو ولد حرمة ولد بابانا نموذجا".
أيها الإخوة الأفاضل أحييكم تحية مباركة طيبة بعبق المحبة و التقدير و الإعجاب، شاكرا حضوركم هذا الملتقى في هذه القرية  المباركة من هذه الربوع  المجيدة التي تعبق بتاريخ الأجداد، وتفوح منها رائحة الحضارة الشنقيطية بمجاهديها و دعاتها  وعلمائها وفرسانها وشعرائها...
في هذه الربوع التي كان لأبنائها دور مركزي في صناعة تاريخ البلد و وحدته..
في هذه  الربوع  التي أنجبت الرجال والنساء العظام، وجندت نفسها في كل الحقب لخدمة الناس في ما  ينفع الناس..
في هذه الربوع الفيحاء و هذه البلدة العصماء و هذا اليوم الأغر، أقف احتراما لكم وتقديرا لحضوركم الذي أتشرف به، كيف لا وأنتم رمز هذا الشعب وسر هذه الحضارة الشنقيطية العظيمة..
و إن العبارات لتبدو صغيرة أمام وزنكم الحسي و المعنوي ، فاعذروني إن لم أعبر بما فيه الكفاية عن ما يليق بحضرتكم العلية و طلعتكم السنية، وما تستحقون ثناء، وأنتم أهل الثناء ومِعطنه.
أيها الكرام المشرفون على هذه الندوة المباركة التي اخترتم لها عنوان: "المقاومة و التحرير الوطني...الزعيم أحمدو ولد حرمة ولد بابانا نموذجا". شباب تمبيعلي المحروسة الطيب،  أحييكم و أهنئكم مباركا و مثمنا عاليا هذه المبادرة الرائدة. وفقكم الله و سدد خطاكم على المحجة البيضاء، اقتفاءً سَنَنَ السلف الصالح. 
إخوتي الأفاضل،
إن المقام جليل، إذ تتعانق فيه عفة  الجغرافيا مع عصامية التاريخ.. لنستحضر الملحمة البطولية لأحد أبناء هذه البلدة، أحمدو ولد حرمة ولد بابانا طيب الله ثراه و جعل الفردوس الأعلى مثواه.
ففي هذه القرية، التي بارك الله فيها، كانَ مسقط رأس والدي، ثم مثواه الأخير، من بيْـن رجال يزنون الجبال أنجبتهم هذه البقعة الطاهرة.. فأبوا إلا أن يكونوا شموعا لا ينطفئُ وهجها، وسدنةَ نضال لا تجف ينابيع قيمه وبطولاته.
أيها السادة،
تترقبون مني و لا شك في هذه الكلمة ما يُنصِف رمز المقاومة الحضارية الزعيم أحمدو ولد حرمة ولد بابانا.. لكنْ هيهات أن تدرك الوردة مساحة الحقل، وأنْ تبلغ الشمعةُ وهج الشمس، لأن التحليق حول سيرة أحمد ولد حرمة يحتاج إلى مجاديف من الذهب و أجنحة نسرية خفاقة. و تحتاج الكتابة عنه إلى بحر من الشفق ليكون حبرا طاهرا تغشاه أقلام من نور لتسطر سيرة ذلك الجبل الشامخ، والمناضل الثوري، والعابد الصالح، والمثقف الواعي الحكيم. من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، نذر نفسه لإعلاء كلمة الله و جاد بحياته لتحرير بلده  و الدفاع عن بيضته و هويته و قيمه. فالمعذرة  المعذرة أولا وأخيرا إذا لم يكن باستطاعتي أن أوفيك أبي حقك من الذكر الجميل، و أثني عليك بما أنت أهله، قصورا لا تقصيرا.
فالعناوين و الخصال و الإشراقات تتزاحم. و لست أدري بأيها أبدأ.  فلله دُرُ قدوتنا و مفخرة بلادنا، فضيلة شيخنا باه ولد عبد الله أطال الله بقاءه، حيث يقول في رائعته الرثائية:
فإذا أقدم من خلالك خصلة ؛؛؛ تأبى خصال منك أن تتأخرا
وهكذا أسأل نفسي في هذه اللحظة بوصفي خليفةُ الزعيم أحمدو ولد حرمة وأمينُ سره.. وقبل ذلك نجلُه.. ماذا سأقول؟ ماذا سأقول في صفتين و أيهما أقدم:
الأولى، صفة "الوالد المدرسة".. الوالد الذي عــزّ نظيره أبوة وحنوا وتربية وأخلاقا وقيما ومُثــُلا وثقافة وتدينا ووعيا شموليا.. ذلك الأب الذي "صار" مضرب المثل في رقي الأبوة وسمو معانيها ودلالاتها.
لقد  ربانا على أن نقول "ها نحن".. وها نحن أبناؤه وبناته و أحفاده نقولها عاليا.. "ها نحن"... ها نحن للنضال ولخدمة الناس والوطن والأمة.. فإنا رضيعو لبانك.. وإن أبناءك يا أبي ـ سواي وا أسفاه ـ لمجراتٌ تُعلم الناس وتنورهم وتداويهم وتنفق عليهم.. هي ذات البذور التي رميتها في الحقل وسقيتها بشريان النور العلوي الرباني. فنهلنا من ذلك المعين و روينا من ذلك الرحيق.
و إن للتاريخ أن يقول عنا... و"التاريخ يستيقظ حينَ تغفو جرات القلم".
ماذا أقول عنك في الصفة الثانية.. صورة الزعيم الوطني والقومي المثالي.. وأنت الذي حوصرت في الشعاب، وتحديت درب الأشواك، وخناجر السُم والدسائس وشياطين "البرتزام" في حِلفهم العَفِن اللعين مع "فرسان الصليب" على هذه الرمال التي كتب الله عليها أن تنطِق الضاد هوية وعلياءً وأن تنشر الإسلام دوحة غناء..
لقد استرخصتَ روحك في سبيل الوطن وحريته واستقلاله.. وكنت أول عربي يصرخُ من قبة برلمان "الإمبراطورية الفرنسية" دعما لفلسطين ورفضا لسياسة "التذئيب الصهيوني".
ولقد كنت الزعيم الذي رفض تجزئة الاستقلال... حتى طهــُرَت البلاد برحيل آخر جنديّ فرنسي.
وهكذا أيها الزعيم الخالد، كان حكم الإعدام المتزامن في حقك من طرف فرنسا المستعمِرة وموريتانيا المستعمَرة وسامَ شرف و تاج سمو  و فخار  تاريخي يشهد على صدق السجية، وشجاعة الفارس، ورجل المرحلة... وكيف لا وأنت سليل "الشعْب"..
إنهُ "تاريخ الموقف".. وهو درب خصّ الله به الخلصاء من رجالات الشعوب.
ماذا سأحكي عنك يا أبي وزعيمي من مواقف.. لا يوازي كمَ بطولاتك فيها إلا حجمُ المؤامرات التي تعرضت لها، وأخاف أن تستمر تلك المؤامرات إلى يوم الدين.. لكن أني للفيلة أن تمحو آثارا رسمتَها بالنور، وأن تطمس دروبا عبدتها بالفكر والعرَق والتضحية بالنفس.
إن أحمدو ... أول صوت عربي يصرخ في أوروبا مضحيا بنفسه من أجل فلسطين.
إن أحمدو ... أول سياسي موريتاني يقارع الاستعمار في إفريقيا الزنجية بالإسلام.
إن أحمدو ... أول مقاوم سياسي ضحى بنفسه من أجل حرية الوطن.
إن أحمدو ... أول من تحدث في مجالسه  في أربعينات القرن الماضي عن فكرة الاتحاد المغاربي. و أول من طرح فكرة مغاربية موريتانيا وقوفا في وجه أولئك الذين كانوا يسعون لاستلابها الحضاري و طمس هويتها العربية و قطعها من عمقها المغاربي.   وكانت مشاركته في تأسيس مكتب تحرير المغرب العربي بالعاصمة المصرية مع زعماء مثل بورقيبة و فرحات عباس  و علال الفاسي، وغيرهم مشاركة فاعلة..
و لولى خشية أن تملوا لواصلت تعداد هذه المواقف و الإشراقات  المشهودة، الموثقة.. لكن لا مناص من نثر بعض الإشراقات الأخرى من بين عشرات العناوين، التي يكفي أي منها شرفا أنها في سجل أبي:
فإن جانبا إنسانيا تجب الإشارة إليه وهو أن الزعيم أحمدو الذي كان مطاردا بالإعدام والكره لمبادئه، والحقد على قامته، كان واحة أمان لمواطنيه أينما كانوا.. كان يفكر ويعمل ليل نهار من أجل البؤساء والفقراء والمحتاجين ومن تقطعت بهم السبل.. كان يد الخير الممتدة حتى آخر نفس من حياته الشريفة.
تـراه إذا  مـا  جـئـتـه  مـتهـــللا  ؟؟؟  كأنك تعطيه الذي أنت سائله
           و لو لم يكن في كفه غير روحه ؟؟؟ لــجـاد بـهـا فـلـيـتـق الله سائله
ثم إنه من المفارقات التي ستبقى وصمة عار في جبين من حكموا هذا الوطن حينا من الدهر، أن تقرر فرنسا إنصاف الرجل وتعتذر له وتعترف بأخطائها في حقه، بل وتقوم بالتعويض المادي له.. في الوقت الذي تصلنا فيه رسالة رسمية من الحكومة الموريتانية (موجودة) برفض إنصاف الرجل/ المقاوم/ الزعيم/ الشجاع/ الإنسان. بل و أكثر من ذلك و أخزى  أن ترفض رفضا باتا نعيه يوم وفاته على أمواج الإذاعة الوطنية، في الوقت الذي تناقلت فيه النبأ وسائل الإعلام  الدولية معزية. صدق القائل: "أزهد الناس في العالم أهله"
لكن ما لنا ولحكومات الأنظمة.. فأنتَ نبض الشعب وحبه وزعيمه التاريخي، وممثله الشرعي والحضاري.. وغيرك "نباتات فطرية" تتسلق على جدران التاريخ، وما تتسلق إلا على دونية أوهن من خيوط العنكبوت.
لقد "كانوا" و مات ذكرهم.. أما أنت ف"صرْت".. صرت التاريخ والقيمَ.. صرت محراب المثل العليا في ثـُنَائيتها الفولاذية والأقحوانية..
لم يعرفوا أن أمثالك لا يخدعهم دور "أحصنة طَرَوَادة".. لأنك أنت جواد الحق، روح الوطن، المناضل الشريف، الرجل الرباني النقيّ البهيّ.. الزعيم الذي تتمناه القامة.. ويحلم المجد أن يكون له حصانا.
في هذه اللحظة، التي نستحضر فيها بعض ظلالك، تعزّ الكلمات، كما عزت دائما في رجالات بني هاشم من الحسين إليك.. يا أبي وزعيمي.
كل من عرفتهم في حياتك وحياتي يشهدون لك:
بشدة حب الله
بشدة حب  رسول الله،
بالغضب لله،
بالحب و البغض في الله،
بمراعاة حقوق الله أمرا و نهيا
بالدعوة إلى الله قولا و فعلا،
بنشر الإسلام،
بخدمة المسلمين،
بمقاومة الاحتلال،
بحب الوطن، بالأخلاق، بالكرم، بالسمو، بالإنسانية.
و لكأني بهذه الخصال تهنئ نفسها بالاجتماع فيك... في زمن كانت فيه لولاك ستستظل بعقيرة اليتم.
نم قرير العين في جنات الخلد.. والسلام عليكَ يوم وَفِيتَ لإرثك الهاشميّ..
نم قرير العين.. إن مقامك في التاريخ لن تصله الأيادي الآثمة و لا النغمات المبحوحة و لا النوايا الخسيسة الحاقدة.. إن المجد أنت.
مخلدا أبدا.. مخلدا أبدا.
السلام عليكم.